أبو نصر الفارابي

149

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

الطبيعية بطبائعها هي التي ينبغي أن تفعلها الحيوانات المختارة باختياراتها واراداتها ، والمرويّة برويتها . ولذلك رأوا أن المدن ينبغي أن تكون متغالبة متهارجة ، لا مراتب فيها ولا نظام ، ولا استئهال يختص به أحد لكرامة أو لشيء آخر ؛ وأن يكون كل انسان متوحّدا بكل خير هو له ان يلتمس ان يغالب غيره في كل خير هو لغيره « 1 » ، وان الانسان الأقهر لكل ما يناويه هو الأسعد « 2 » . ثم تحدث من هذه آراء كثيرة في المدن من آراء الجاهلية : فقوم رأوا ذلك أنه لا تحاب ولا ارتباط ، لا بالطبع ولا بالإرادة ، وأنه ينبغي أن يبغض كل انسان كل انسان ، وأن ينافر كلّ واحد كلّ واحد ، ولا يرتبط اثنان إلا عند الضرورة ، ولا يأتلفان إلا عند الحاجة ، ثم يكون ( بعد ) اجتماعهما على ما يجتمعان عليه بأن يكون أحدهما القاهر والآخر مقهورا ، وان اضطرّا لأجل شيء وارد من خارج أن يجتمعا ويأتلفا ، فينبغي أن يكون ذلك ريث الحاجة ، وما دام الوارد من خارج يضطرّهما إلى ذلك ؛ فإذا زال فينبغي أن يتنافرا ويفترقا . وهذا هو الداء السبعيّ من آراء الانسانية « 3 » . وآخرون ، لما رأوا أن المتوحد لا يمكنه أن يقوم بكل ما به إليه حاجة دون أن يكون له موازرون ومعاونون ، يقوم له كل واحد بشيء مما يحتاج إليه ، رأوا الاجتماع .

--> ( 1 ) لا نظام ولا مراتب في الموجودات . ( 2 ) الأقوى هو الأسعد . ( 3 ) لا ارتباط ولا تحاب بين البشر لا بالطبع ولا بالإرادة وإن شريعة الغاب هي السائدة بين الناس .